مفهوم التجارة في كلام الامام علي (ع)

2024.04.15 - 01:37
Facebook Share
طباعة

  وردت لفظة (التجارة) في كلام الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة للدلالة على نوعين من أنواع التجارة، وهي أولاً بمعناها الحقيقي كعملية بيع وشراء. فجاءت في كلام الإمام (عليه السلام) مفردة (اتَّجَرَ)، فجاء على زنة (افْتعَلَ) الدالة على الكَسْب والاجتهاد والعمل في التّجارة، وذلك في قوله (عليه السلام):

"مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْه ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا"([1]).
والتِّجارة والتَّجر بمعنى واحد، لأنّ مسائل الرِّبا متداخلة في مسائل البَيع، فلا يفرق بينهما إلاّ الفقيه، فحتى كبار الفقهاء قد يشتبه عليهم الأمر.
وجاء اسم الفاعل من (تَجِر) معَّرفا بـ(ال) وهو: التّاّجر، إذ ورد قوله في الكتاب السابق نفسه:
"وَلِكُلِّ أَمْر عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتيِكَ مَا قُدِّرَ لَكَ، التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ"([2]).
إذ خصّ الإمام (عليه السلام) هنا التّاجر بالذِّكر، ولم يجعل الصيغة منّكرة لتدلّ على العموم؛ لأنّه يتعجل بإخراج الثّمن، ولا يعلم أيعود أم لا؟ فهو مخاطر، لا يُأمن أن يرتكب بعض الهفواتٍ أو السيئات التي قد تحبط أعماله الصالحة، وبالمقابل فإنّ أعماله الصالحة قد تُكفر تلك السيئات، ومبتغى الكلام أنه لا يجوز للمكلف أن يفعل إلاّ الطّاّعة، أو المباح.
 لذا نجد الإمام (عليه السلام) قد عرَّف هذه الصيغة بـ(ال)، إذ خصّ مجموعة معينة من التجار. وجاءَ الجمع منه على زنة (فُعَّال)، جمع كثرة من اسم الفاعل (تاجر) معرًفا بـ(ال)، وهذا الوزن دل على التكثير والمبالغة في التجارة، إذ لم يطلق هذا الجمع على من تاجروا بتجارة واحدة؛ بل لمن كًثُر منهم ذلك، فصّارت التِّجارة حرفة لهم.
وقال في خطابه إلى الصحابي مالك الأشْتَر:
"وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: ومنهم التّجار، ومنهم أرباب الصِّناعات، وذوو الحَاجة والمسكنة، والخَراج الذي يُصرَف للجُندِ والقُضاة والعُمَّال والكُّتاب، ولابدَّ لهؤلاءِ جميعاً من التّجار؛ لأنّ البيع والشراء لا غناءَ عنه"([3]).
 وقال أيضاً: "وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ"([4])
ويعني بـ (ولا قوام لهم جميعاً) أي: (الجنود والقضاة والرعية)، ثم استوصى بهم قائلاً (يا مالك):
"ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً: الْمُقِيمِ مِنْهُمْ، وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ"([5]) فهم دعامة الاقتصاد الوطني، لذلك أوصَّى بهم.
وجاءَ المصدرُ على زنة (فِعَالة)، وهذه الصِّيغة تدلُّ على حرفةِ وصنعة التِّجارة، وقد جاءتْ مُنَّكرة في الآية التي استشهد بها:
"رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ"([6])
فهؤلاء المؤمنون، يعرفون قدر الله، وقدر ذكره، لذلك لا يمكن أن تلهيهم أرباحهم، ولا تجاراتهم عن ذكره تعالى، وتحصيل الأرباح الحقيقيّة منه وحده.


[1] شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٢٠ - الصفحة ٩٧.
[2] نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع) - ج ٣ - الصفحة ٥٣.
[3] شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١٧ - الصفحة ٣٠.
[4] المرجع السابق.
[5] المرجع السابق.
[6] سورة النّور، الآية 37.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى